حيدر حب الله
117
منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)
توارث السنّة ، وإنما عددٌ من الصحابة كان هو العمدة في النقل ، لو حسبناه لما وجدناه يزيد عن ثلاثين شخصاً كأبي بكر ، وعلي ، وعمر ، وأبي هريرة ، وعثمان ، وعائشة ، وجابر الأنصاري ، وعبد الله بن مسعود ، وأبي سعيد الخدري ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، ونحوهم من الرواة . فلماذا افتراض حاجتنا إلى إثبات عدالة أكثر من عشرة آلاف شخص ، لأجل تصحيح مرويّاتٍ عُمدتها رواه لنا بضعة عشرات منهم ؟ ! ألا يوجد طريقٌ لتوثيق هذه المجموعة التي وصلتنا أغلب النصوص النبويّة عبرها إلا من خلال تعديل جميع الصحابة ؟ ! أليس هذا قفزاً من الخاصّ إلى العام بلا مبرّرٍ منطقيّ ؟ ! خامساً : إنّ حجيّة الروايات يكفي فيها وثاقة الرواة ، ولا يلزم في الصحابة لتصحيح مرويّاتهم أكثر من إثبات الوثاقة ، فما هو الموجب - لتبرير حجيّة الكتاب والسنّة - أن نُثبت عدالتهم جميعاً ، بل جعلهم في أعلى مراتبها ؟ ! أعتقد أنّ الرازي وكلَّ التيار الذي نافح عن هذه المقاربة العقلانيّة ، قد قفز في هذا الدليل قفزات أساسيّة ، فالمعطيات التي عنده تمنحه مقداراً من النتائج لكنّه مارس طفرةً ليأخذ من هذا الدليل حجماً أكبر . كما يبدو لي أنّه كان ينظر إلى واقعٍ ما مفرِط في جرح الصحابة ، بحيث لا يُبقي أحداً منهم على خير ، إلا أنّنا قلنا بأنّ هناك نظريّات وسطى عديدة بين نظريّة عدالة الجميع ونظريّة فسق الجميع أو الأغلب . نتائج البحث في مستندات تعديل الصحابة أجمعين من خلال مجموع ما تقدّم ، يظهر لنا - حتى الآن - أنّ القول بعدالة جميع الصحابة فرداً فرداً بالمعنى الحديثي ، لم يقم عليه أيّ دليل يُركن إليه ، لا من الكتاب ولا من السنّة ، فضلًا عن الإجماع أو الاعتبار ، وأما المعنى الأصولي فإنّ أدلّة الاعتبار والإجماع على عدالة الصحابة بهذا المعنى ساقطة كما رأينا ، ودليل السنّة يعاني من مشاكل حقيقيّة في أسانيده